الشيخ الصدوق
المقدمة 173
الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )
مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين ، ومعنى ذلك أنّه لم يزل اللَّه عالماً بمقاديرها . وقال شيخنا المفيد - تغمده اللَّه برحمته - في شرح هذا الكلام الذي ذكره أبو جعفر : قد جاء به حديث غير معمول به ولا مرضيّ الإسناد ، والأخبار الصحيحة بخلافه ، وليس نعرف في لغة العرب أنّ العلم بالشيء هو خلق له ، ولو كان ذلك كما قاله المخالفون للحق ، لوجب أن يكون من عَلِم النبي صلى الله عليه وآله فقد خلقه ، ومن علم السماء والأرض فهو خالق لهما ، ومن عرف بنفسه شيئاً من صُنع اللَّه تعالى وقرَّره في نفسه أن يكون خالقاً له ، وهذا محال لا يذهب وجه الخطأ فيه على بعض رعيّة الأئمة فضلًا عنهم . فأمّا التقدير ، فهو الخلق في اللّغة ، لأنَّ التقدير لا يكون إلّابالفعل ، فأما بالعلم فلا يكون تقديراً ، ولا يكون أيضاً بالفكر ، واللَّه مُتعالٍ عن خلق الفواحش والقبائح على كلِّ حالٍ . وقد روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنّه سُئل عن أفعال العباد ، أهي مخلوقة للَّه تعالى ؟ فقال عليه السلام : لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها ، وقد قال سبحانه : « أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ » « 1 » ، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم ؛ وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم ، وكتاب اللَّه تعالى مُقدَّم على الأحاديث ، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها ، فما قضى به فهو الحق دون ما سواه . . . وظنّي أنّ هذا الكلام كلّه غير واردٍ على الصدوق ، وذلك أنّ الأخبار الواردة بكون أفعال العباد مخلوقة للَّهتعالى كثيرة جدّاً ، كقول الرضا عليه السلام : أفعال العباد مخلوقة ، أي : مُقدّرة . وكقوله عليه السلام فيما كتب للمأمون من محض الإسلام : أنَّ اللَّه تبارك وتعالى لا يُكلّف نفساً إلّاوسعها ، وأنّ أفعال العباد مخلوقة للَّهخلق تقدير لا خلق تكوين ،
--> ( 1 ) - التوبة : 3 .